النويري
170
نهاية الأرب في فنون الأدب
وعن عبد اللَّه بن الزبير وغيره : كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يجاور في حراء [ شهرا « 1 » ] من كل سنة ، يطعم من جاءه من المساكين ، فإذا قضى صلى اللَّه عليه وسلم جواره من شهره ذلك ، كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة قبل أن يدخل بيته ، فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللَّه من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته ، حتى إذا كان الشهر الذي أراد اللَّه به فيه من كرامته ما أراد ، من السنة التي بعثه فيها ، وذلك في شهر رمضان ، خرج صلى اللَّه عليه وسلم إلى حراء « 2 » كما كان يخرج لجواره ومعه أهله ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه اللَّه فيها برسالته ، ورحم العباد بها ، جاءه جبريل بأمر اللَّه ؛ قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : جاءني وأنا نائم بنمط « 3 » من ديباج فيه كتاب ، فقال : اقرأ ؛ [ قال « 4 » ] : قلت : ما أقرأ ؟ قال : فغتّنى « 5 » به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ؛ قلت : ما أقرأ ؟ قال : فغتّنى به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ؛ قلت : ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع . فقال : * ( ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) ) * . قال : فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى ، وهببت من نومى ، فكأنّما كتب « 6 » في قلبي كتابا ؛ قال : فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد ، أنت رسول اللَّه ، وأنا جبريل ، قال : فرفعت رأسي أنظر [ إلى السماء « 7 » ] ؛ فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد ، أنت رسول اللَّه ، وأنا
--> « 1 » عن سيرة ابن هشام 1 : 250 . « 2 » حراء : جبل على ثلاثة أميال من مكة . معجم البلدان 3 : 239 . « 3 » النمط : ضرب من الثياب المصبغة . « 4 » عن سيرة ابن هشام 1 : 252 ، 253 . « 5 » فغتنى ، وفى رواية : غطنى ، أي عصرنى عصرا شديدا حتى وجدت منه المشقة . « 6 » في سيرة ابن هشام 1 : 253 : « فكأنما كتبت » . « 7 » عن سيرة ابن هشام 1 : 252 ، 253 .